عماد أبو صالح… العودة إلى جوهر الشعر

يطبع عماد أبو صالح (1967ــ مواليد مدينة المنصورة شمال مصر) دواوينه طبعات محدودة، على نفقته الخاصة ويوزعها مجاناً على أصدقائه منذ «أمور منتيهة أصلاً» (1995)، و«كلب ينبح ليقتل الوقت» (1996)، و«عجوز تؤلمه الضحكات» (1997)، و«أنا خائف» (1998)، و«قبور واسعة» (1999)، و«مهندس العالم» (2002)، و«جمال كافر» (2005) وصولاً إلى «كان نائماً حين قامت الثورة» (2015). هنا وقفة عند تجربته الشعرية في مناسبة حصوله على أول جائزة منذ أن بدأ الكتابة، إذ نال أخيراً «جائزة سركون بولص للشعر وترجمته للعام 2020» (3000 دولار) على قصيدته الحرّة «غير العروضية، رغم أن بعضهم يدعوها قصيدة نثر، عن جهل أو تماهياً مع روح القطيع. قصيدة أخذت إيقاعها الخاص، لغة وموسيقى وبساطة كتعبير عن ذائقة جديدة، ذائقة معبّرة عن دقائق الحياة اليومية، مبيّنة لنا المصائر البشرية وهي تهتزّ معلقة، بصوت خافت أقرب إلى الصمت أو التلاشي» وفق ما جاء في بيان الجائزة التي أطلقتها «منشورات الجمل» عام 2017. وتابع البيان أنّ قصيدته «مترفعة عن السائد في لغة الشعر اليوم، وفي إطلالة تذكّرنا بإطلالة محمد الماغوط في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، مبتعداً عن طلب الشهرة والانتشار، مكتفياً بالظلّ الذي يقيه شمس الظهيرة. وأيضاً متجنّباً قدر المستطاع، كلّ ما يمتّ إلى القضايا الكبرى، فشعرهُ هو شعر الانهمامات الصغيرة التي هي مكوّن حياة الفرد اليوم وفي كلّ وقت».

يبدو الخطاب الشعري لعماد أبو صالح صاحب قدر كبير من الخصوصية، فهو صوت شعري رائد ومؤسّس ينطلق من تصورات جديدة ومفاهيم خاصة به للشعرية. تتأسس لديه جماليات جديدة نابعة من ذهنيته وتكوينه ومنطلقاته التي هي نتاج تصوراته الجديدة وممارسته الشعرية التي تعكس قدراً كبيراً من المغايرات بما يجعله أقرب لأن يكون نقلة إضافية أو مرحلة جديدة من مراحل الشعرية العربية الجديدة. بل يمكن القول بأن هذا الخطاب الشعري قلب معادلة كون النص السردي أو الروائي تحديداً قادراً على احتواء جماليات النصوص الأخرى والسيطرة عليها، فجعل عماد أبو صالح النص الشعري قادراً على الهيمنة على جماليات السرد مع الاحتفاظ بخصوصية القصيدة وحدود النوع الشعري. إنه ربما الصوت الشعري الأبرز الذي كان قادراً على أن يجعل من النص الشعري مسرحاً وسرداً روائياً وقصصياً ونصّاً فصيحاً قريباً من العامية والأمثال الشعبية. بدا النص الشعري لديه حسب تقديرنا كما لو أنه عالم متّسع لا يمكن أن يكون محدوداً أو محاصراً في فهم أو تعريف أو إحساس بعينه فيه شيء من الصرامة، بل يمكن القول بسهولة إنه قد دخل إلى الشعر من روحه أو من أوسع مساحاته وهو جوهره لا شكله. لم يكن مقيداً في أي مرحلة بأي قيود شكلية أو مظهرية للشعرية، بل يبحث عما يمكن تسميته بشعرية المعنى، وهي التي في الغالب يكون لها مظاهر شكلية تأتي تالية وبشكل طبيعي. والحقيقة أن موقف عماد أبو صالح من التجديد في الشعر العربي، ربما يكون الأكثر راديكالية وإصلاحاً جذرياً أو ربطاً جوهرياً بقصيدة النثر في العالم، لها ارتباطاتها بروح الثقافة واللغة العربية، ولكن منطلقاتها كافة إنسانية وعالمية. والحقيقة أن نصوصه الشعرية بحاجة إلى كثير من البحث في أبنيتها وتراكيبها وصورها والبنية الكلية للنصوص والتشكيلات والأنساق الحاكمة لعناصر اللغة كافة من الأصوات والتراكيب والمعجم وأشكال الإيقاع والأساليب الإنشائية وشعرنة السؤال وتقاطع المشهد السردي مع الأخبار والأقوال والجمل الإنشائية الخالصة أو اللغة الصاخبة الخطابية في بعض الأحيان. لكن تبقى المقولة الرئيسة التي تنطبق على شعره هي أنه بدأ من جوهر الشعر ومعناه، ولم يكن يبحث عن الشعر بقدر ما انفتق من دون إرادة منه أصل الشعر وأساسه المتمثل في شعرية الحياة وشعرية المعنى وشعرية التنوع وشعرية التفاصيل الحياتية اليومية والمشاهد الإنسانية العابرة التي أحسّ فيها كلها جمالاً وقيماً أدبية من نوع جديد ومختلف، فتمكّن من النفوذ إلى شعرية كل ما هو هامشي، ويبدو مهملاً أو متروكاً أو ضعيفاً أو ليس ذا معنى. بحث عن كل ما هو حقيقي وإنساني ومؤلم وموجع أو على النقيض كل ما هو مصدر سعادة حقيقية أو يشكل جمالاً ما في هذه الحياة. تبدو الذهنية الشاعرة لدى عماد أبو صالح منشغلةً بكل مهمل وبخاصة المتروك والمشرد في الشوارع والأرصفة وفي المناطق المعتمة من الحياة وكل ما هو منزوٍ وهناك غفلة عنه، ذهنية شاعرة ترى القرب والامتزاج الكبير بين النجوم والأقمار والشمس وبين القطط والكلام والتراب والحصى وكل ما قد يبدو أرضياً أو حقيراً أو هيناً أو حتى غير مرئي. يساوي بين مشاعر المجنون المشرد وبين الفيلسوف والفنان والشاعر التائه في دروب المتعة العقلية وحدائق المعنى، فكأنه لا حدود ولا تصنيفات، فهو يتمرد عليها جميعاً، ويتمرد على العالم ببنيته، يتمرّد على الحدود النوعية، فيجادل ويناقش الشعراء والنقاد في مقولاتهم ويرى القصيدة أو يحسها عالماً أوسع من أن تكون لها هيئة أو شكل أو سمات يجب أن تكون غالبة. ولهذا نجد أن التناص لديه مختلف تماماً، يختلط فيه التاريخي بالعلمي بالصور الشعرية الطريفة أو بالبلاغة التقليدية أحياناً، ويمزج كل هذا الذي قد يبدو متنافراً حتى يصبح بعد هذا الامتزاج نسيجاً واحداً في غاية الالتحام، كما لو أنّ النص يجب أن يكون هكذا ولا يمكن فصل أي شيء من عناصره.
يقتبس اقتباسات طويلة من شعراء أو يسرد بعض حياتهم أو يفتش في التاريخ والحكايات القديمة وينقل من الروايات أو يستعير مقاطع من كونديرا أو أسماء آخرين من الروائيين، ويناقش طرائقهم وأساليبهم أو يستعرض في قصيدته نصاً روائياً يقرأه. في النهاية، يشعر المتلقي لقصيدة عماد أبو صالح أن النص الشعري عالم شاسع وحافل بالمغامرة. نصّ هو مزيج من السرد والمسرح والحوار والقطع والسرعة والبطء والتأمل، ويبدو أنه قادر على مفاجأة القارئ على الدوام. يفاجئ في صراحته ووقاحته أحياناً، يفاجئ في مثاليته، ثم ينقلب فجأة أخرى إلى حال من البربرية والبدائية والانفلات إلى رحابة التاريخي والأسطوري والغرائبي، ويخوض في المستقذر أو ما اعتاد الأدب عن أن يترفع عنه في نظرات الكلاسيكية. يخوض في كل مجالات وأبواب القول من دون قيود ولا أي دافع آخر غير التخفف من أعباء المعنى الضاغط على الوجدان والمخيلة والشعور. فهو يريد أن يستفرغ ما بجوفه وما يؤلمه كأن ذلك كله يحدث بشكل قهري، فالشعر يقول نفسه عبره أو على لسانه. يغوص في حيوات الشعراء العالميين ويتجول في القارات والبلدان ويقارب الإنسان بشكل مطلق في أحواله كافة، فالممثلة الألمانية لا تختلف كثيراً في القيمة عن أمه، والشاعرة الشهيرة صاحبة نوبل لا تختلف عن قطة يراها على الرصيف، والشاعر المشاء الذي تشرّد في العالم وتجوّل في القارات والكلام ودروب الحكمة لا يقل عن مريض طردوه من المستشفى من دون أن يكملوا رتق بطنه بعد الجراحة، والطائرة الحربية لا تختلف عن العصفور الذي يحن إلى عشه، وهكذا في تجوال في أركان الوجود وبين موجوداته وأشيائه وعناصره وفق نسق تحرري أو يبدو منفلتاً من الأنساق التقليدية. ينفلت من المثالية نفسها التي تبدو في كثير من الأحيان غايةً كبرى، ويهفو ويسقط في مساحات من التردي تبدو طبيعية أو منطقية أو مألوفة للطبيعة الإنسانية التي هي في الأساس متشكّلة من النقص والعوار.
يوظف عماد أبو صالح اللغة الشعبية والأمثال والأغاني واللهجة العامية والأخطاء اللغوية وكل ما قد يبدو حقيقياً أو جوهرياً من عناصر الحياة، حال من العشق الحرام أو الذي يبدو حراماً من وجهة نظر ما هو في الحقيقة حال من الشعر، ويرى جمالاً ما كامناً في القبح والقسوة والدم والعنف، ليكون واحداً ممن تمثّل بشكل طبيعي مقولات ما بعد الحداثة كافة وحساسيتها الخاصة حيال ما يسمى بالأدب ولغته وجمالياته وفق تصورات جديدة ومختلفة وفيها ثورة جذرية على القديم وثورية جذرية على التأطير والقيد. مجموعاته الشعرية التي نُشرت في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة حتى 2005 ربما يبدو واضحاً لنا الآن أنها كانت طليعية تتنبأ بما سيحدث الآن في الشعرية العربية من تحولات. وربما لا أبالغ إذا قلنا إنه كان يبشر بما هيمن الآن على الأغنية العربية من آفاق للهامشي والشعبي والعشوائي أو الفوضوي، وربما بما جدّ الآن وأصبح بارزاً من سمات الأغنية الشعبية في مصر من أغاني المهرجانات. قصيدة عماد أبو صالح أو نصه الشعري الذي يمزج مقولة عامية في القصيدة أو يقلب معايير القول في الحب، فيمزج الشعبي وغير المألوف والمستقذر أو ما قد يبدو وفق تصنيف معين أنه متدن أو غير شعري… يمزجه بالنص أو يسكنه فيه. هو في الحقيقة تحول كبير في المفاهيم الشعرية وربما الإهمال النقدي ومشاكل تحليل الخطاب والعجز عن كشف سماته الكلية هو المسؤول عن عدم استكشاف التحولات كافة التي أحدثها عماد أبو صالح في القصيدة، ونتوقع أنه سيتزايد الاهتمام بنصه الشعري والعودة إليه، وستكشف السنوات بمرورها أن نصوصه قادرة على منح المزيد من المتعة بمرور الوقت واكتمال التحوّلات التي كانت تحدث وما زالت في الذهنية العربية، فيمكن القول بأنه كان يتعامل مع عقل أو يخاطب عقلاً مستقبلاً يتّسم بالنخبوية، وليس هو التيار العريض من مستقبلي الشعر العربي في وقت نشر هذه المجموعات الشعرية. ويمكن للناقد أن يراهن على أن مستقبِلي شعر عماد أبو صالح هم أجيال تولد الآن وفي المستقبل، أجيال تتشرّب الثقافة العالمية من دون حدود أو فواصل بين عربي وأوروبي وأميركي.